محمد الريشهري
33
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
إنّ الحكم الذي يسعه أن يزعم أنه يقتدي بالحكم العلوي ، هو ذلك الذي لا يضحّي بالعدالة ويئدها على مذبح المصلحة ، فليس في النظام العلوي مصلحة أعلى من مصلحة إقامة العدل . وأخيراً ، فإنّ بمقدور الحكم أن يعلن أنّ مثاله الأعلى الذي يحتذي به هو عليّ ، إذا ما استطاع أن يحكم القلوب عبر منهج تقديم العدالة على المصلحة ، لا أن يحكم الأجساد ويقبض سيطرته عليها ، عبر منهج ترجيح المصالح العابرة ! 2 - احترام الحقوق المتبادلة بين الدولة والأُمّة في منطق الإمام لا يمكن أن يدوم بقاء الدول في المجتمعات إلاّ إذا احترم النظام الحاكم حقوق الشعب ، وفي الطرف الآخر أبدى الشعب احترامه لحقوق النظام الحاكم عليه . وإلاّ فمن دون رعاية الحقوق المتبادلة بين الدولة والشعب لا يمكن تحقّق العدالة الاجتماعيّة . وطبيعي أنّ رعاية هذا الأمر هي عمليّة شاقّة ، ففي دائرة الكلام يحترم الجميع الحقّ ، لكن في دائرة العمل يتضاءل أهل الحقّ وينحسر عددهم ( أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ ) وبتعبير جميل للإمام أمير المؤمنين نفسه : " الحقّ أوسع الأشياء في التواصف ، وأضيقها في التناصف " . لهذا كلّه لم تتخطّ العدالة الاجتماعيّة واحترام حقوق الإنسان على مرّ التأريخ كلّه تخوم الشعار ، بل تحوّل هذا الشعار - أيضاً - إلى أداة لابتزاز حقوق الناس والاعتداء عليها أكثر . وعلى مدى عصور التاريخ الإسلامي بعد عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) سنحت فرصة استثنائيّة واحدة لجهة استقرار العدالة الاجتماعيّة تمثّلت في العهد القصير الذي أمضاه الإمام عليّ في الحكم ، بيد أن الأُمة لم تغتنم هذه الفرصة ، بل وقع الظلم على حكم الإمام من قِبل الرعيّة ذاتها ، حتى قال ( عليه السلام ) : " إن كانت الرعايا قبل